حسن بن حمزة الشيرازي ( شرف البلاسي )

74

رسالتان في الحكمة المتعالية والفكر الروحي

التنبيه الثالث وهو الخاتمة في بيان حقيقة العلم ، وفيه وصيّة إعلموا رفاقي أطلعكم اللّه على خفيّات علمه وأشرف بكم 68 على جليّات حكمه ، أن العلم هو إدراك 69 المدرك على ما هو عليه في نفسه إن كان مّما يمكن إدراكه 70 . وأمّا ما يمتنع دركه فلا دركه هو دركه ، كما قال الصدّيق رضي اللّه عنه : « العجز عن درك الدراك هو الادراك » . وقال تعالى : « وَما قَدَرُوا اللَّهَ تعالى حَقَّ قَدْرِهِ » 71 ، أي ما عرفوا اللّه حقّ معرفته ، فكيف يعرفونه حقيقة حقّ المعرفة ؟ إذ المعرفة معرفتان : - كما قال أبو الحسن النوري 72 - معرفة حقّ وهي إثبات الوحدانية على ما أبرز من الصفات ، ومعرفة حقيقة وهي ما لا سبيل إليها لامتناع الصمدانية وتحقيق الربوبية ، فالمعرفة تتعلّق من كلّ معروف بحق وحقيقة ، فالحقّ من مدارك العقول من جهة الدليل ، والحقيقة من مدارك الكشف والمشاهدة وليس ثمّ مدرك ثالث البتّة . ولهذا قال حارثة : أنا مؤمن حقّا 73 . فأتى بالمدرك الأول ، وكان عنده مزيد بالمدرك الثاني ولكن سكت عنه . . فقال النبيّ صلى اللّه عليه وسلّم : فما حقيقة إيمانك ؟ يرى أنّه كان عنده المدرك الثاني ، فأجابه بالاستشراف والاطّلاع والكشف ، فقال النبيّ صلى اللّه عليه وسلّم : عرفت فالزم . فلا تصحّ المعرفة بالشيء على الكمال إلّا بهاتين المعرفتين : الحقّ والحقيقة . فإذا أخبر اللّه تعالى بأنّا عاجزون عن إدراك حقّ قدره ، فكيف لنا بحقيقة قدره ؟ ! وليس القدر ههنا إلا المعرفة بما يقتضيه مقام الألوهية من التعظيم ، ونحن قد عجزنا عنه ، فأحرى أن نعجز عن معرفة ذاته تجلّت وتعالت علوّا كبيرا ، فلّما عاين القوم هذه العظمة والجلال جزموا بأنّهم لا يقدّرون قدره مع ما تقدّر عندهم من التعظيم والجلال ، وقدر ما هم بالتقصير فعرفوا أنّه ليس في وسع المحدث أن يقدّر قدر القديم ، لأنّ ذلك موقوف على ضرب من المناسبة الحقيقية ولا مناسبة ، فتاهوا في مفاوز الحيرة لهذه العظمة